الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

106

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن هؤلاء يمرون في مسيرهم وذهابهم وإيابهم على منازل قوم عاد - في أسفارهم إلى اليمن - وعلى مساكن ثمود المتهدمة الخربة - في سفرهم إلى الشام - وعلى منازل قوم لوط التي جعل عاليها سافلها - في سفرهم إلى فلسطين - ويرون آثارهم ، إلا أنهم لا يعتبرون ، فإن الخرائب والأطلال تتكلم بلسان الحال وتخبر عن قصص السابقين وتحذر أبناء اليوم وأبناء الغد وتعول صارخة أن هذه عاقبة الظلم والكفر والفساد . نعم . . إن في ذلك لآيات لأولي النهى ( 1 ) . إن موضوع أخذ العبرة من تأريخ الماضين من الأمور التي يؤكد عليها القرآن والأحاديث الإسلامية كثيرا ، وهو حقا معلم مذكر منبه ، فما أكثر أولئك الأشخاص الذين لا يتأثرون بأية موعظة ، ولا يعتبرون بها ، إلا أن رؤية مشاهد من آثار الماضين المعبرة تهزهم ، وكثيرا ما تغير مسير حياتهم . ونقرأ في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أغفل الناس من لم يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال " ( 2 ) ولا يفكر في تقلب الليل والنهار وتعاقبهما . الآية التالية في الحقيقة جواب عن سؤال يثار هنا ، وهو : لماذا لا يجري الله سبحانه على هذا القسم من المجرمين ما أجراه على المجرمين السابقين ، فيقول القرآن : ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى . إن هذه السنة الإلهية التي ذكرت في مواضع عديدة من القرآن باسم ( كلمة ) إشارة إلى قانون الخلقة المبتني على حرية البشر ، لأن كل مجرم إذا عوقب مباشرة وبدون أن يمهل ، فإن الإيمان والعمل الصالح سيتصف بالجبر تقريبا ، وسيكون على الأغلب خوفا من العقاب الآني ، وبناء على هذا فسوف لا يكون وسيلة للتكامل الذي هو الهدف الأصلي .

--> 1 - " النهى " من مادة نهي ، وهي هنا بمعنى العقل ، لأن العقل ينهي الإنسان عن القبائح والسيئات . 2 - سفينة البحار - مادة عبر - الجزء 2 ص 146 .